بين بيروت وباريس

بعد عمليات الإرهاب التي ضرَبَت باريس ، وبغضّ النظر إذا كان هنالك إهمالاً من الدولة الفرنسية من ناحية القيام بتدابير استباقية لتفادي وقوع هذه العمليات ، ولإن الدولة حاضرة وهنالك مسؤول وأجهزة وخلايا أزمة ، بادرت الدولة على الفور بالتحقيقات واتَخذت التدابير اللازمة لطمأنة المواطن على الأقل ، لأن العثور على إرهابي مجهّز بحزام ناسف وينوي تفجير نفسه أمر صعب للغاية ، ولا يمكن تفاديه إلا بفَرض طوق على كل مواطن فرنسي .
الفرق بين بيروت وباريس ، أنه في اليوم الثاني لتفجير برج البراجنة ، نزلت التلفزيونات على الأرض وأقيمت حلقات مباشرة من موقع الإنفجار ووضع مقدّم البرنامج أولاد أحد الشهداء على حضنه وسأله عن آخر هدية قدّمها له والده قبل ان يستشهد !!!!.، هل يجوز ان يتحدّث المقدّم المتمرِّس عن مواضيع حسّاسة ويسأل المارة على من تقع مسؤولية الإنفجار ، او يطلب من طفل في العاشرة من عمره ان يتحمّل المسؤولية بعد وفاة والديه. وفي المقابل لن اتحدّث ماذا جرى في باريس لأن المشاهد اللبناني رأى كيف يتعامل الإعلام في العالم مع هذه الأمور بدقّة وسيكولوجية وإتزان بحيث لم تُعرَض مشاهد تتعلّق بالعملية الإرهابية لا قبل حدوثها ولا بعد ، وإن عُرضَت بعض الصور والبرامج مع الشهود على هذه الحوادث فهي عُرِضت في أوقات متأخرة من الليل لكي لا يُخدَش حياء ومشاعر بعض المشاهدين الأطفال الذين لا يستوعبون تماماً ماذا حدَث ولأنهم او لأن أهلهم والمسؤولين عنهم لا يريدونهم ان يتحمّلوا المسؤولية باكراً على عكس المقدِّم اللبناني غير المسؤول والذي يريد تحميل المسؤولية لصغار السن لكي يظهر بمظهر المتعاطف مع المصاب بفاجعة وهذا ما يسمّى بالفرنسية بالعواطف التي تساوي فرَنكين وهو مثنّى الفَرَنك ، العملة الفرنسية التي سبقت اليورو.
في باريس وبعد العمليات أقِفلت جميع المعابر الحدودية مع البلدان الأوروبية ولغاية كتابتي لهذا المقال ، تبقى بلجيكا مقفَلة حتى إيجاد الإرهابي الوحيد الفار ، بعد ان قُتِل جميع أعضاء الشبكة المسؤولة عن العمليات الأخيرة ، وفي بيروت ليس هنالك من أجهزة لكي تُقفَل المعابر وليس هنالك من مسؤول ليتّخذ قراراً ، و"الرزق السايب بيعلِّم الناس على الحرام".
في بيروت أحياناً يُضبَط المجرم بالجرم المشهود واحياناً بل قُلْ في معظم الأحيان يَخرج الإرهابي من السجن ولو قام بعمليات إرهابية ، ويُقال أنه أجبِر على القيام بذلك " حرام" يجب إحترام مشاعر الإرهابي كان تحت ضغط نفسي شديد ، ولولا ذلك لما قام بأعمال إرهابية فهو شخص مثقّف ويحمل شهادات.
في بيروت يُعامَل الإرهابي في السجن معاملة رائد من روّاد فندق خمسة نجوم ، فهو يقوم بـ"ديليفيري" سوشي ، ويملك جهاز خَلوي لكي يّتصل بأصدقائه من اجل القيام بعمليات أخرى فور خروجه من السجن ، ولكي يبلِّغ الأهل أنه بصحة جيّدة وانه والأخوة على الدرب القويم سائرين.
في باريس كل الجهات الممكنة تكون متّهمَة حتى إثبات براءة جهة وتورّط أخرى ، اما في لبنان هنالك جهة واحدة مسؤولة عن كل العمليات ، إسألوا القائد المُنتظِر وغير المُنتظَر ، او المارد الصامد او غيرهم من الوطنيين ، فهم سوف يعلموكم عن الجهة المسؤولة عن العمليات الإرهابية في لبنان. وفي المناسبة أعيِّد كل اللبنانيين بعيد الإستقلال ، أعادَه الله على الجميع وخصوصاً على الإثنين الذين ذكرتهم بالتنافس المشروع والمشرَّعة أبوابه على المسؤولية وعلى حماية المسيحيين.
في باريس الناجون من التفجيرات تُخصَّص لهم متابعة نفسية وتبحث الحكومة الفرنسية حالياً في قضية التعويضات المادية والمعنوية على المتضررين وعلى الناجين . وفي بيروت من سيعوِّض على الشهداء؟ ومن سيعالج نفسياً الذين عانوا من الصدمة و"شافوا يللّي ما بينشاف" منذ أكثر من أربعين عاماً من الإحتلال والحروب والتفجيرات والعقم السياسي والزعران المحليّين الذين فتكوا بإدارات الدولة ومصّوا دماء الشعب ؟
الفرق بين بيروت وباريس انه عند حصول انفجار في بيروت لا يغيّر روّاد الفايسبوك في فرنسا البروفايل واضعين صورة العلم اللبناني ، لأنهم على يقين انه ليس هنالك من انتمائية الى هذا الوطن لا من قبلهم ولا من قبل شعب هذا البلد الجبّار ، اما في لبنان وعند وقوع اي انفجار من الزمبابوي الى كردستان وصولاً الى استراليا ، يسارع الجميع الى تغيير البروفايل متضامنين مع المصيبة ، ولا عجب فاللبناني رائد في علم الإغتراب ، فهو اينما يذهب يُصبح من اهل المنزل ويشعر بالانتمائية الى اي بلد ما عدا بلده لبنان. وهنا أعيِّد مرة أخرى اللبنانيين المستقلّين عن ذاتهم وعن هويّتهم وعن تاريخهم الذين يحاضرون فيه في المحافل الدولية فقط ، وامام الأجانب والأغراب ، ربما تتسائلون عن هذا التاريخ ؟ تاريخ لبنان هو اربعة فصول ، قُرب الجبل من البحر ، التبّولة ، والزَرْزَربَة بالإبريق .... من يستطيع او من يجرؤ ان يكون لديه تاريخ حافل كهذا التاريخ.
الفرق بين بيروت وباريس بل قُلْ بين بيروت وبين اي عاصمة من جمهوريات الموز ، انه وفي هذه الجمهوريات عندما تخلو سدّة الرئاسة ، يُقام بانتخاب رئيس بعد شهر "ماكسيموم" بينما في بيروت تبقى سدّة الرئاسة الفارغة أصلاً ، فارغة الى ان يأتي القرار من الباب العالي ، أياً كان هذا الباب ، او إن لم ياتِ القرار ، يُنتخَب الرئيس بعد توزيع المغانم والمناصب والـ 6 و6 مكرّر والحقائب الوزارية التي تمثِّل طائفتها ولا تمثّل شخصيّة حاملها ، فيأتي وزير الرياضة من خلفيّة إقتصادية ، ووزير الطاقة خبير زراعي ووزير العدل حائز على بكالوريوس في صناعة المجوهرات.
الفرق بين بيروت وباريس ، ان الثروة الوطنية في باريس وفي اي دولة ، هي ملك للدولة ، وعندما تُكتشَف ثروة طبيعية كألنفط او الغاز ، او المناقيش ... تتمتّع الدولة فقط في حقّ التنقيب عنها واستثمارها ، ولا يدخل السماسرة على الخط ، طبعا تجرى مناقصات وليس إحتكارات كما يجري حالياً في موضوع النفط الذي أجِّل البحث عن استخراجه الى اجلٍ غير مسمّى ، الى حين إقتسام الحصص والعائدات ، وانا في هذه المناسبة ، اتمنّى وكما قال صديق لي ، ان لا تعود على هؤلاء المنتظرين العائدات إلاّ الأيام السوداء عليهم وعلى عائلاتهم .
الفرق بين بيروت وباريس أنه في بيروت الكلمات المستعملة لتسوية اي قضية ، تجارية كانت ام اجتماعية ام إرهابية ، تتعلّق بالله والماورائيات وهما عنصرين مساعدين في تسوية كل القضايا ، في غياب الوسائل التقنية للبحث عن المجرمين ، وأجهزة الدولة عندما تكون مفكّكة فهي تلجأ الى الله فهو المُعين في حَلحَلة الأمور .
الفرق بين بيروت وباريس انه في بيروت عندما يبيعك التاجر بضاعة فاسدة او فيها عُطل ، فهو يحلُف برَحمة ابيه ، انه لم يكن على دراية بهذا الأمر ، ويَعدُك بإصلاح العطل إنشاء الله ويقول لك المَحَل محلّك ولن تكون غير مبسوط ، مبسوط يعني مضروب من فعل بَسَط اي ضرب ، وليس ان تكون مبسوطاً اي مسروراً.
انا أكرهكم يا ابناء بلادي لأنكم زاحفين مستَزلَمين لا تملكون اي كرامة او انتمائية ، او عنجهية ، أكرهكم أيضاً لأنكم لا تملكون القرار او لا تملكون الجرأة لكي لا نستعمل كلمة بذيئة أخرى ولذلك لم ولن تكونوا عاصمة من عواصم القرار ، ولذلك أيضاً اصبحتم بمرتبة لا يمكن التحدّث فيها عن الفوارق لأنكم لا تدركون معنى كلمة فارق لكي نقارن بينكم وبين اي عاصمة او بلد آخر .
يمكننا ان نقوم بمئات الرحلات ذهاباً وإياباً بين بيروت وباريس ، او بين بيروت وبين أي عاصمة جرَت فيها أحداث وأستطاع القيّمون على الأوضاع تجاوزها والسعي الى الأمام وليس الى وضعية "راوح مكانك" ، وبين بيروت التي كانت في السابق عاصمة القانون والحضارة واصبحت عاصمة الفلتان والشرارة ، سوف تبقى الفروقات شاسعة بيننا وبين ما وصل اليه العالم من تقدّم وتبصّر وتضامن وانتمائية ووعي وحضارة وإلتزام ودقّة.

Comments